السيد محمد تقي المدرسي

263

من هدى القرآن

يمليها الواقع ، فقد ينتقل العمل الرسالي من الإعلان إلى الكتمان الشديد مباشرة لسبب من الأسباب . ومع هذه التغيرات الظاهرية تبقى الاستراتيجيات المحورية واحدة وثابتة ؛ إنها دعوة الناس إلى العودة إلى الله ، والترغيب في معطيات الإيمان ، واتباع الرسالة ، والتحريض على نبذ الأنداد الموهومين من دونه عز وجل . « فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً » أي دعاهم إلى الاستغفار ، وطمأنهم بأن الغفران صفة الله الرحمن ، ولا ريب أن المعنى من الاستغفار ليس مجرد القول : أستغفر الله ، إنما هو الندم على الخطايا في النفس ، والرجوع منها بالقول والعمل ، واللجوء إلى الله استجارة به منها ومن عواقبها ، وبتعبير آخر : إن الاستغفار برنامج متكامل وهذا ما تفصح عنه المعطيات التي يأتي بها . « يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً » أي مطرا كثيرا متواصلا ، تدره السماء كما يدر ضرع البقر الحليب ، وقد قدَّم القرآن ذكر الماء لأنه عصب الحياة والحضارة . « وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ » يعني أن الاستغفار يتسبب في النمو اقتصاديًّا وبشريًّا ، وقيل : إنهم كانوا قد قحطوا ، وأسنتوا ( أجدبوا ) وهلكت أموالهم وأولادهم ( قبيل العذاب الأليم ) ولذلك رغَّبهم في رد ذلك بالاستغفار مع الإيمان والرجوع إلى الله ] « 1 » . وإلى ذلك ذهب أكثر المفسرين ، ونهتدي من هذا السياق إلى أن الإيمان والاستغفار ليس من شؤون الآخرة وحسب بل هو متصل أيضا بحياة الإنسان في الدنيا . وعن قتادة قال : رأى نوح عليه السلام قوما تجزعت أعناقهم حرصا على الدنيا ، فقال : هلموا إلى طاعة الله فإن فيها درك الدنيا والآخرة « 2 » وإلى الحقيقة ذاتها أشار الإمام علي عليه السلام في خطبة الاستسقاء حيث قال : وقَدْ جَعَلَ الله تَعَالَى الِاسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ الرِّزْقِ ورَحْمَةِ الْخَلْقِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ : « اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً ( 11 ) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً » ] « 3 » . « وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً » تستوعب المياه وتُقلُّها للشاربين إنسا وحيوانات ، وسقاء للجنات والأشجار والمزارع . وثابت علميًّا وعمليًّا أن وجود الأنهار من العوامل الحضارية الأساسية ، لأنه سبب الزراعة التي هي بدورها من مظاهر الحضارات ومقوماتها ، والجنات والأنهار يشبع كلاهما حاجات مادية ومعنوية عند الإنسان . ولا ريب أن الجعل هنا لا يتم عن طريق المعجزة بحيث تتنزل الجنات من السماء بأشجارها وأثمارها أو تزداد الأموال

--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 457 . ( 2 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 268 . ( 3 ) نهج البلاغة : خطبة 143 .